البخاري

تصدير 45

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

وأنا في الكتاب » . فكأنّه بما اختار من كلمة الإلهام يعبر عن ابتهاجه بما وفّق إليه ، ويعلن الشكر على أن هداه اللّه لما يوافق ميله ، ويناسب طبعه ، وليس بالأمر الهين أن يوفق الإنسان في اختيار عمله أيا كان نوعه ، فهو عنصر هام للنجاح ، لأنّه يملأ النفس ارتياحا للعمل ، ويوفر رغبتها فيه ، وتعلقها به ، ويضمن استمرارها على الإخلاص له ، فما بالنا إذا كان عملا دينيا جليلا ، لو افترضنا أنّه لا يعقب كسب الدنيا كان من المحقق أنّه يكسب ثواب الآخرة ؟ . وقد تجلّت هذه المعاني في البخاري بأروع صورها ، وتمثّلت في انقطاعه لخدمة الحديث طيلة عمره ، وفي شدة إقباله على طلبه وجمعه ، وفي تفريغ باله من كل شيء إلّا منه ، واشتغال قلبه به حتى في أوقات الراحة والنوم ، وشواهد ذلك فيما يرويه أصحابه ، فيقول محمّد بن أبي حاتم الوراق : « كان أبو عبد اللّه إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلّا في القيظ ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة ، إلى عشرين مرة ، كل ذلك يأخذ القدّاحة ، فيورى نارا بيده ، ويسرج ، ويخرج أحاديث ، فيعلم عليها ، ثمّ يضع رأسه ، فقلت له : إنك تحمل على نفسك كل هذا ، ولا توقظنى ، قال : أنت شاب ، فلا أحبّ أن أفسد عليك نومك » ( هدى الساري 2 - 196 ) . ويقول محمّد بن يوسف البخاري : « كنت عند محمّد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة ، فأحصيت عليه أنّه قام ، وأسرج ، ليستذكر أشياء يعلقها في ليله ثمان عشرة مرة » ( طبقات الشافعية 2 - 220 ) .